أحمد بن محمد المقري التلمساني

5

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ثم فصّل رحمه اللّه تعالى ذلك كله بما تعدّدت منه الأجزاء وقد لخصت منه هنا بعض ما ذكر ، ثم أردفته بكلام غيره ، فأقول : قال في كتاب أجار « 1 » : إن قرطبة - بالطاء المعجمة - ومعناه أجر ساكنها ، يعني عرّبت بالطاء ، ثم قال ودور مدينة قرطبة ثلاثون ألف ذراع ، انتهى . وقال غيره : إن تكسيرها ومساحتها التي دار السور عليها دون الأرباض « 2 » طولا من القبلة إلى الجوف ألف وستمائة ذراع ، واتصلت العمارة بها أيام بني أمية ثمانية فراسخ طولا وفرسخين عرضا ، وذلك من الأميال أربعة وعشرون في الطول ، وفي العرض ستة ، وكل ذلك ديار وقصور ومساجد وبساتين بطول ضفة الوادي المسمى بالوادي الكبير ، وليس في الأندلس واد يسمّى باسم عربيّ غيره ، ولم تزل قرطبة في الزيادة منذ الفتح الإسلامي إلى سنة أربعمائة ، فانحطّت ، واستولى عليها الخراب بكثرة الفتن إلى أن كانت الطّامّة الكبرى عليها بأخذ العدوّ الكافر لها في ثاني وعشري شوّال سنة ستمائة وثلاث وعشرين « 3 » . ثم قال هذا القائل : ودور قرطبة أعني المسوّر منها دون الأرباض ثلاثة وثلاثون ألف ذراع ، ودور قصر إمارتها ألف ذراع ومائة ذراع ، انتهى . وعدد أرباضها أحد وعشرون ، في كل ربض منها من المساجد والأسواق والحمّامات ما يقوم بأهله ، ولا يحتاجون إلى غيره ، وبخارج قرطبة ثلاثة آلاف قرية ، في كل واحدة منبر وفقيه مقلّص « 4 » تكون الفتيا في الأحكام والشرائع له ، وكان لا يجعل القالص عندهم على رأسه إلا من حفظ الموطّأ « 5 » ، وقيل : من حفظ عشرة آلاف حديث عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وحفظ المدوّنة ، وكان هؤلاء المقلّصون المجاورون لقرطبة يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة بقرطبة ، ويسلّمون عليه ، ويطالعونه بأحوال بلدهم . انتهى . قال : وانتهت جباية قرطبة أيام ابن أبي عامر إلى ثلاثة آلاف ألف دينار ، بالإنصاف ، وقد ذكرنا في موضع آخر ما فيه مخالفة لهذا ، فاللّه أعلم ، وما أحسن قول بعضهم : [ البسيط ] دع عنك حضرة بغداد وبهجتها * ولا تعظّم بلاد الفرس والصّين فما على الأرض قطر مثل قرطبة * وما مشى فوقها مثل ابن حمدين

--> ( 1 ) هو الكتاب المعروف بجغرافية الإدريسي الذي ألفه لأجار ، وهو أحد ملوك صقلية النور منديين وأجار وهو رجار . ( 2 ) الأرباض : جمع ربض ، وهو ما حول المدينة من مساكن ، وضواحي المدينة . ( 3 ) في ب : ثالث عشرين شوّال سنة ستمائة وثلاث وثلاثين . ( 4 ) المقلص والمقلس : الذي يلبس القلنسوة . ( 5 ) موطّأ الإمام مالك بن أنس رضي اللّه عنه .